فصل: مطلب إرجاء زواج الفقير لغناه وجواز الكاتبة ندبا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



إن هؤلاء المارين كلهم بمثابة قسم واحد ممن يباح النّظر إليهم من الأقارب ثم بين القسم الثاني من الأجانب بقوله عز قوله: {أَوِ التَّابِعِينَ} الّذين يتبعون الناس لأجل تناول فضلات طعام وخلقان ملابسهم من الشّيوخ الطّاعنين في السنّ الّذين قنت شهواتهم والمسوحين الّذين قطعت مذاكيرهم أو خصائهم، والبله الّذين لا يعرفون أمر النّساء والمعتوهين والمجانين وأشباههم المرادين في قوله تعالى {غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ} الّذين لا حاجة لهم بالنساء ولا يعرفون شيئا من أمورهن ولا تحثهم أنفسهم بفاحشة ما، ولا يصفون للأجانب ما يرون منهن، فهؤلاء لا بأس بان ينظروا من النّساء ما ينظر منهن محارمهن، أما المجبوب الذي قطع ذكره فقط والمخصى والمخنّث الذي لا ينتشر ذكره فهم من أولي الإربة أي الحاجة بالنساء، فلا يجوز تمكينهم من النّظر إلى النّساء لأنهم يشتهون ويعرفون أمور النّساء ويصفونهم للأجانب ولبعضهم، ثم بين الأجانب الآخرين الّذين هم من القسم الثاني الّذين يجوز لهم النّظر بقوله جل قوله: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ} أي لم يقدروا على الوطء لعدم الشّهوة ويدخل فيهم كلّ من لم يبلغ سن المراهقة والتمييز وهو الأولى لأن المراهقين قد يعرفون شيئا من ذلك فينبغي التحاشي عن اطلاعهم على الأجانب وعدم التساهل بشأنهم، والشّر أوله نظرة والنّار أولها شرارة، والحرب أولها كلام، ألا فليحذرن اللائي يذهبن إلى الحمام من ذلك، {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ} معطوفة على ولا يبدين لأنهن إذا ضربن الأرجل حال مشيهن بأرجلهن {لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} وهو ظهور الخلخال وصوته إذ في باطنه حصى ليصوت عند ضرب الرجل بالأرض فتتنبه الرّجال للنظر إليهن فيكن كأنّهن قد عرضن أنفسهن بذلك {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا} رجالا ونساء أحرارا وعبيدا {أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ} مما صدر منكم من ذلك، ولا تعودوا اليه أبدا، وإن ما وقع منكم من ذلك قبل صدور هذه الآية فهو عفو، أما بعدها فلا، إذ جاءكم النّهي من ربكم، فاتعظوا أو لا تفعلوا منه شيئا، واعملوا بما أمرتم به {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (31) فتفوزون بخير الدّنيا والآخرة، وانما وصى اللّه عباده بالتوبة لأنهم لا يخلون من خطأ وإن حرصوا كلّ الحرص، وقد وعدهم بالفلاح ترغيبا لملازمتهم التوبة وأحوج النّاس إليها من يرى نفسه أن ليس له حاجة بها، لأنه غافل لاه والغافل أكثر النّاس وقوعا بالخطا.
وبعد أن ذكر اللّه تعالى هذه الآداب الثلاثة المحتوية على آداب ثلاثة شرع يبين احكاما أخر غير الأحد عشر الأولى فقال جل قوله: {وَأَنْكِحُوا الْأَيامى} الغير متزوجين رجالا أو نساء {مِنْكُمْ} أيها الأحرار {وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ} عبيدكم المذكورين {وَإِمائِكُمْ} عبداتكم الصّالحات {إِنْ يَكُونُوا} هؤلاء الأيامى {فُقَراءَ} لا مال لهم فاعطوهم على فقرهم وزوجوهم {يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} الوافر العميم، واحذروا أن يمنعكم الفقر من التزويج والزواج، فإن اللّه وعد عليهما الغنى {وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ} بهم قادر على سد حاجتهم بل على إغنائهم من فضله وكرمه وإعطائهم أكثر منكم، ألا لا يمتنع الرّجل أن يزوج ابنته من الفقير لأن اللّه قد يغنيه بمقتضى هذه الآية، روى البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال قال صلّى اللّه عليه وسلم يا معشر الشّباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي قطع لمادة الشّهوة، لأن الوجاء رض الخصيتين وهو نوع من الخصاء.
والباءة النّكاح.
وأخرج أبو داود والنّسائي عن معقل بن يسار قال قال صلّى اللّه عليه وسلم تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة وروى مسلم عن عبد اللّه بن عمر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال الدّنيا متاع وخير متاعها المرأة الصّالحة.
وقال بعضهم في تفسير قوله تعالى {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً} أي مع المرأة الصّالحة كما أشرنا بهذا في الآية 98 من ج 2 هذا وإن اللّه تعالى كما وعد على الزواج الغنى وعد على الطّلاق الغني أيضا، راجع الآية 130 من سورة النساء المارة الحكم الشّرعي يسن على التأكيد لمن تتوق نفسه الجماع أن يتزوج، وإذا خاف من عدم الوقوع بالحرام وجب عليه إذا كان قادرا على المهر والنّفقة بنسبة أمثاله، وإلّا فعليه إدامة الصّيام كسرا لشهوته، ومن لا تتوق نفسه ذلك وهو في أمن من الوقوع في الحرام فهو بالخيار قال تعالى: {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} يمدح سيدنا يحيى عليه السّلام لأنه لا يأتي النّساء ولا يرغب فيهن مع قدرته على الزواج وتغلبه على نفسه، وهو عليه السّلام مخصوص بذلك من عموم الأنبياء قال تعالى {وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ} أي اللاتي لا يتزوجن كما سيأتي بحثهن في الآية 91 من هذه السّورة ويفهم من حمد سيدنا يحيى وعدم ندب القواعد للزواج جواز عدمه للقادر عليه الحافظ لنفسه، إلا أن الزواج أفضل لما فيه من التكاثر الذي ندب إليه حضرة المصطفى بحديثه الآنف الذكر، يؤيده الخبر الوارد لا رهبانية في الإسلام.
وتفيد هذه الآية أن أمر تزويج الأيامى منوط بأوليائهم، والعبيد والإماء إلى ساداتهم، بدليل مخاطبتهم بذلك بقوله جل قوله: {وَأَنْكِحُوا} وعليه فلا يجوز زواجهم بغير إذنهم وهو كذلك، ويدل عليه قوله تعالى {فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} الآية 15 من النّساء المارة وهذه تؤكد تلك لشمولها الأحرار أيضا وبما أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي موسى الأشعري، قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا نكاح إلّا بولي، ولهما عن عائشة عنه صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال أيما امرأة نكحت بغير اذن وليها فنكاحها باطل ثلاثا فإن أصابها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن تشاحّوا فالسلطان ولي من لا ولي له.
ولهذا قال الإمام مالك عليه الرّحمة إن كانت المرأة دنيّة يجوز لها تزويج نفسها، أي لأن أوليائها منها براء لدناءتها وإن كانت شريفة فلا.

.مطلب إرجاء زواج الفقير لغناه وجواز الكاتبة ندبا:

وفي معنى {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}.
ومعنى قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ}:
قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فيتزوجوا حينذاك وإلا فعليهم ملازمة التقوى والصّبر والصّيام ومداومة العمل والتكسّب، حتى إذا من اللّه عليهم تزوجوا {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ} بلا أجل أو إلى أجل قليل أو كثير {مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ} من العبيد والإماء {فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} قدرة على الكسب وأمانة على الوفاء وديانة تحفظهم من النّكث والنّقض وتجربة ليطمئن لها المكاتب.
وعلى هذا إذا وثقتم بهم وكاتبتموهم فأعينوهم امتثالا لأمره تعالى المنوه به في قوله: {وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ} أي من الزكاة، لأنهم من الأصناف الثمانية الآتي ذكرهم في الآية 62 من سورة التوبة إعانة لهم على أداء بدل المكاتبة لكم، ومن الإعانة أن تحطوا عنهم منها ابتغاء وجه اللّه، وقد نزلت هذه الآية في صبيح غلام حويطب بن عبد العزّى حين سأل مولاه أي يكاتبه فأبى فلما نزلت كاتبه على مئة دينار، ثم وهب له منها عشرين فأداها له، وقتل في واقعة حنين في السّنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكة، وقد أشار اللّه تعالى إليها بقوله جل قوله: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ} الآية 27 من سورة التوبة الآتية، وسيأتي ذكر القصة بحذافيرها هناك إن شاء اللّه.
والحكم الشّرعي هو أن الأمر بالمكاتبة على طريق النّدب والاستحباب، لأن الأمر معلق على فعل الخير والصّارف له من الوجوب التقييد لأن الأمر لا يكون للوجوب إلّا إذا كان خالصا من القيد والتخصيص والتعليق، لهذا فإن الأحب للسيد أن يكاتب عبده طلبا لتحريره وابتغاء لوجه اللّه، لأن المكاتبة تقدمة للعتق الذي رتب عليه الأجر الكثير.
روى أن سيرين أبا محمد العابد المشهور دفين الزبير من أعمال ولاية البصرة في العراق، سأل سيده أنس بن مالك أن يكاتبه، فأبى عليه، فراجع عمر رضي اللّه عنه فاستدعى أنا وأمره بمكاتبته، فلم يفعل، فضربه بالدرة وتلا عليه هذه الآية، إلا أن هذا لا يستدعي الوجوب لأن غاية ما فيه أن عمر توهم فيه الصّلاح وأحب أن يعتق فكان منه ما كان من الزهد والتقوى والمؤلفات، رحمه اللّه رحمة واسعة ورضي اللّه عن سيدنا عمر ما أحد نظره وأصوب فراسته.
وكيفية المكاتبة أن يقول السيد لعبده كاتبتك على الف درهم تؤديها لي أقساطا كلّ شهر كذا او كلّ سنة فإذا أديتها كاملة فأنت حر فإذا أدى له تمام المبلغ عتق وصار حرا في كسبه وولده، والأولاد الّذين يحصلون له زمن هذه المكاتبة أحرارا ايضا تبعا له، أما الّذين قبل عقد المكاتبة فعبيد إلّا إذا نص على حريته في عقد المكاتبة، وإذا لم يؤد تمام المبلغ المكاتب عليه فسخ العقد وبقي وأولاده مملوكين على حالتهم الأولى وما كسبه من المال لسيده، لأن كسب العبد وما يملك من مال وولد لسيده أخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال صلّى اللّه عليه وسلم المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
وأخرج الترمذي والنسائي عن ابي هريرة أن رسول صلّى اللّه عليه وسلم: قال ثلاث حق عليّ اللّه عونهم المكاتب الذي يريد الأداء والنّاسخ الذي يريد العفاف والمجاهد في سبيل اللّه هذا وإذا مات المكاتب قبل إيفاء بدل المكاتبة وقبل مضي مدتها ووجد عنده ما يكمل البدل أخذه سيده ومات حرا ويكون ولده من بعده أحرارا وإلّا فيموت على رقه ويبقى أولاده مملوكين بعده كما كانوا قبل والأحب أن يترك السّيد ما بقي عليه طلبا لمرضاة اللّه تعالى، فإذا وفقه اللّه وفعل مات المكاتب حرا وصار أولاده أحرارا بعده.
أخرج مالك في الموطأ أن عبد اللّه بن عمر كاتب غلامه على خمسة وثلاثين الف درهم، فوضع في آخر كتابته خمسة آلاف وهكذا يستحب أن يضع عنه من آخر الأقساط لأن الوضع من أولها قد يحمله على الكل ويؤدي به إلى الأمل فيعجز عن الأداء ويبقى رقيقا وهو المتسبب، لأن عدم الوضع من الأول ينشط المكاتب على العمل ويحمله على الأداء ويزيد في عزمه وحزمه على خلاص نفسه ويحزم على أداء تمام المبلغ، إذ يحتم على نفسه أنه مطلوب منه، فإذا ترك له القسط الأخير كان عونا له في امره وكان صدقة تصدق بها عليه فيطيب خاطره ويقدر فضل سيده فلا يدعه {وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ} إنما قال فتياتكم لأنهن المتوقع منهن بخلاف العجائز والصّغار، والمراد بهن هنا العبدات، لما جاء في الخبر لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فناي وفتاتي، لأن الكل عبيد اللّه فلا يليق أن تنسب العبودية لنا ونحن العبيد.
والبغاء الزنى في النّساء خاصة {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} عنه {لِتَبْتَغُوا} بإكراههن على الزنى {عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا} من الاحتواء على كبهن الخبيث وأولادهن الحاصلين من الزنى ليكونوا عبيدا لهم تبعا لأمهاتهم {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ} على ذلك فيفعلنه مكرهات بعد هذا النّهي فهو آثم، وهؤلاء إذا تبن بعد هذا عن تعاطي هذا الفعل القبيح {فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ} لهن ولهم ايضا إذا عدلوا عن إكراههن {رَحِيمٌ} (33) بهم جميعا إذا تابوا وأتابوا وإلّا فيكون الإثم على المكره إذا تحققت شروط الإكراه، لأن آمر المطيعة المواتية للبغاء لا يسمى اكراها، ولا أمره أمر إكراه.
وفي هذه الحالة يكون الإثم على الاثنين لا فترافهن الزنى ولرضاء السّيد فيه.
واعلم أن في إيثار لفظ {إن} على إذا إيذان بأنهن كن يفعلن ذلك برغبة ورضا منهن، وإن المشتكيات منه نادرات شواذ.
روى مسلم عن جابر قال عبد اللّه بن سلول يقول لجاريته اذهبي فابغينا شيئا فأنزل اللّه هذه الآية.
وفي رواية أن جاريتين له يقال لهما سكينة وأمية كان يكرهما على الزنى فشكناه لرسول اللّه فنزلت.
وكان لهذا الخبيث ستّ جوارهاتان اللّغتان ما كانتا ترغبان بالزنى ومعاذه واروى وعمرة وفتيلة اللاتي كن يرغبن فيه.
والآية عامة في كلّ من يفعل ذلك، وخصوص السّبب إذا كان اللّفظ عاما لا يقيده.
ولا إشكال في قوله تعالى {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} لأن الكلام ورد على سبب وهو الذي ذكر في سبب نزول الآية المارة، فخرج النّهي على صيغة السّبب نفسه وإن لم يكن النّهي شرطا فيه لأن الشّرط في ارادة التحصن حيث لا يتصور الإكراه إلّا عند إرادته، فإن لم ترد المرأة التحصن فإنها تبغي بالطبع طوعا، إذ من المعلوم أنه لا يجوز إكراههن على الزنى أردن التحصن أم لا، وفي هذه الآية توبيخ الموالي لأنهن إذا رغبن بالتحصن فهم من باب أولى أن يرغبوا فيه وأحق أن يحبذوه.
وليعلم أن هذا ليس لتخصيص النّهي بصورة ارادتهن التعفف عن الزنى وإخراج ما عداها من حكمه، كما إذا كان الإكراه بسبب كراهتهن لخصوص الزنى او لخصوص الزمن او المكان او لغير ذلك من الأمور المصححة للإكراه في الجملة بل للمحافظة على عاداتهم المستمرة، لأنهم كانوا يفعلون ذلك وتقبيح حالهم وتشنيع قبائحهم، لأن من له أدنى مروءة لا يرضى بفجور من في حوزته من الإماء، فضلا عن أمرهن به وإكراههن عليه، لاسيما إذا كن يردن التعفف.